مقالات

نحو إنشاء استخبارات مدنية

المسار نيوز نحو إنشاء استخبارات مدنية

أمل الكردفاني

ستة عشر عاماً قد تمر عليك وبيدك حكم محكمة ضد إحدى الوزارات ولا تستطيع تنفيذه. وقد تقضي سنوات في جرجرة موظفين فاسدين داخل الوزارات، أو المصالح الحكومية هذا إلا أن كنت تستطيع أن (ترقع) بمبالغ محترمة.
الموظف الذي قضى سنوات في العمل أكثر خبرة فيها من الوزير، ولذلك فهو يعرف كيف يستغل الثغراءات الإجرائية لتعطيل مصالحك دون أن تتمكن من النبس ببنت شفه. الورق في مشى، الإفادة ما جات (مع ملاحظ ان الإفادة قد تكون في درج تربيزته)، نحن ما مختصين (طيب المختص منو؟).
يتكدس المواطنون في الوزارات لقضاء حاجاتهم (هذه الحاجات اختلقتها الحكومة نفسها لتصنع منها وسيلة عرقلة لمصالح المواطن). والمواطنون يتكدسون ولا يعرفون ماذا يفعلوا. الموظف (الخبيث) لا يتحدث ولا يوجه المواطن، لانه يخشى لو صدرت منه كلمة أن يفهم المواطن شيئاً من داخل هذه الفوضى التي تحيط به. في الحالات الدقيقة (جداً) يعاملك الموظف كما لو كان مغلوباً على أمره (وهو كذاب) ليرمي الكرة في يد من هم أعلى منه. لن يكون مغلوباً عندما تخرج ألف جنيه وترقعه بها.
هذه هو حال الوزارات والمصالح الحكومية، والتي من المفترض أنها تحت رقابة وإشراف ومتابعة الولاة، ولكن الولاة لا يفعلون شيئاً إلا لل(كبارات)، من التماسيح. الذين لن تجدهم يوماً في صف عيش مهما اشتعلت أزمة الخبز، ولا في صف بنزين، مهما اشتعلت أزمة البنزين. هؤلاء هم اصدقاء الولاة والوزراء ومدراء الإدارات. وهؤلاء الذين لا يخضعون للقانون، وهؤلاء الذين لن تراهم في مصلحة حكومية لدفع رسوم أو الحصول على توثيق بختم بارز، أو رخصة،..الخ.
فالموظفون الصغار يأكلون من المواطنين الصغار، والمسؤولون الكبار يأكلون من المواطنين الكبار، والدنيا ماشة.
كرة البينج بونج:
كمواطن يمكنك أن تزور مدناً لم تزرها من قبل، وتدخل أزقة لم تدخلها من قبل، وشوارع وأحياء، من مكان لآخر بحثاً عن الموظف المختص في الوزارة المختصة التي لا تعرفها، وموظفها الذي يبدو وكأنه الرجل الخفي. ثم تعود أدراجك بخفي حنين وعيناك تفيض من الدمع، ثم تيأس، ثم تجري اتصالا بهذا وذاك بعد ان تستسلم وتقرر أن تدفع وترقع وتبلبص وتتملق وتطبل وتطمبر وتتحول لأراجوز سخيف.
هكذا يجبرك الموظف الخبيث في النهاية على ما رفضته في البداية. وهناك -بين المواطن والموظف- سمسار، كما بين المزارع وتجار القطاعي والعلاقة بين السماسرة والموظفين علاقة شبكية أكثر تعقيداً من شبكة الانترنت.
هذه الشبكات تكاد تشمل كل نواحي الحياة من منافع ومصالح، كالدواء والخبز والأراضي، والتوثيقات، والبنوك، والدولارات…الخ.
ونسبة لقوة هذه الشبكات وكونها محمية من (فوق) أي من رجل قوي، فإنها تعمل بدون خوف ولا وجل، ولو ما عاجبك (أعلى ما في خيلك اركبو) ثم سيرتد إليك البصر خاسئاً وهو حسير.
هذه هي تماماً شبه الدولة السوء دانية، والتي لا يمكن إصلاحها بالذي نراه الآن، فما هو مطروح سطحي جداً، ولأن من يطرحونه يريدون الوصول عبر ما يطرحون إلى تلك الشبكات والإنضمام لجوقات المنتفعين.
لا يستطيع المواطن أن يقاوم هذه الشبكات، ولذلك لا بد من أن يهتم البعض منهم بإنشاء استخبارات مدنية، ترفع تقارير (معلنة للكافة) عن البلاوي التي تحدث في الخدمة المدنية ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، وفضح كل الفاسدين، وعلى المتضرر اللجوء إلى القضاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى